الشرق الأوسط على صفيح ساخن.. إلى أين تتجه المنطقة؟

قراءة تحليلية واستشرافية في موازين القوة واحتمالات الحرب وانعكاسات التصعيد الإقليمي
أولاً: حين يصبح ضبط الصراع أصعب من إشعاله
لم يعد الشرق الأوسط يواجه أزمات منفصلة يمكن احتواء كل منها بمعزل عن الأخرى، بل بات أمام صراع تتداخل فيه الحسابات العسكرية مع المصالح الاقتصادية، وتتقاطع فيه المواجهة الأميركية الإيرانية الإسرائيلية مع أمن الخليج واليمن ولبنان والعراق، فضلاً عن انعكاساته على التجارة الدولية وأسواق الطاقة، وتكمن خطورة المرحلة الراهنة في أن اتساع المواجهة لا يحتاج بالضرورة إلى قرار معلن بشن حرب شاملة، إذ قد تدفع ضربة عسكرية كبيرة، أو استهداف منشأة حيوية، أو تعرض الملاحة البحرية لمزيد من الاضطراب، أطرافاً متعددة إلى الرد بصورة متتابعة، فتتجاوز الأحداث الحسابات التي انطلقت منها، وتكشف تطورات الأيام الأخيرة عن مسارين متزامنين: استمرار التصعيد العسكري والضغوط على الممرات البحرية، مقابل محاولات سياسية لإعادة فتح قنوات التفاوض، ففي 18 أكتوبر/تشرين الأول 2026، أكدت طهران استمرار طرح مقترح لإعادة فتح مضيق هرمز خلال سبعة أيام، لكن الخلاف مع واشنطن لا يزال قائماً بشأن شروط التفاوض وترتيب أولوياته، وفي الوقت نفسه، تتواصل المخاطر على أمن السعودية والملاحة الإقليمية، وسط تحركات عربية لاحتواء تداعيات الأزمة.
وتفرض هذه المعطيات سؤالاً استراتيجياً يتجاوز متابعة الأخبار اليومية.. هل تستخدم الأطراف التصعيد لتحسين شروط التسوية، أم أن تداخل الجبهات بدأ ينقل المنطقة إلى مرحلة يصبح فيها احتواء الحرب أصعب من استمرارها؟
إن الإجابة لا تتطلب التنبؤ بما سيحدث فحسب، بل فهم مصالح الأطراف، وحدود قدرتها على تحمّل التكاليف، والمؤشرات التي يمكن أن تدفعها إلى تغيير حساباتها. أولاً: طبيعة الصراع.. هل ما زالت القوة وسيلة للضغط أم أصبحت غاية بحد ذاتها؟ ولا يمكن فهم المواجهة الراهنة من خلال مقارنة القدرات العسكرية وحدها، فالتفوق في الطيران أو الصواريخ أو أنظمة الدفاع لا يعني بالضرورة القدرة على فرض نتيجة سياسية مستقرة، كما أن تحمّل الخسائر لا يضمن تحقيق الأهداف المعلنة.
تسعى الولايات المتحدة وإسرائيل إلى تحقيق أهداف أمنية وعسكرية تتصل بقدرات إيران ونفوذها الإقليمي، بينما تحاول طهران حماية ما تعتبره مصالحها الاستراتيجية، ورفع كلفة الضغط العسكري والاقتصادي عليها، والحفاظ على أوراق تفاوضية تمكّنها من التأثير في أي تسوية مقبلة، ولكن الأهداف قد تتعارض مع الوسائل المستخدمة لتحقيقها، فكلما اتسعت الضربات والردود، ارتفعت احتمالات انتقال المواجهة من استهداف القدرات العسكرية إلى تهديد البنية الاقتصادية والممرات البحرية والمصالح الحيوية للدول، وهنا تظهر معضلة الردع إذ إن امتناع طرف عن الرد قد يُفسَّر باعتباره تراجعاً، وإذا بالغ في الرد فقد يدفع خصمه إلى تصعيد أكبر، وفي الحالتين يمكن أن تصبح المحافظة على المصداقية السياسية والعسكرية عبئاً يضيّق مساحة المناورة الدبلوماسية.
كذلك فإن إضعاف القدرات العسكرية للخصم لا يعني بالضرورة إنهاء قدرته على إحداث اضطراب إقليمي، فالحروب الممتدة قد تتحول من مواجهات مباشرة إلى عمليات أقل كلفة نسبياً، لكنها أكثر إرباكاً للملاحة والتجارة والاستقرار الداخلي، وعليه فإن معيار النجاح الاستراتيجي ليس عدد الضربات أو حجم الأضرار وحدهما، بل قدرة الطرف على تحويل مكاسبه العسكرية إلى ترتيب سياسي قابل للاستمرار، من دون أن تتجاوز كلفة الحرب الفوائد المتوقعة منها.
والسؤال الأهم هنا.. هل تسعى الأطراف إلى تسوية تحفظ مصالحها، أم أنها ترفع سقف مطالبها إلى مستوى يجعل التراجع السياسي أصعب من مواصلة المواجهة؟
ثانياً: السعودية والخليج واليمن، اتساع دائرة المخاطر وتحدي حماية السيادة
تكتسب التطورات المرتبطة بأمن المملكة العربية السعودية أهمية خاصة، ليس لمكانتها الإقليمية والاقتصادية فحسب، بل لأن استقرارها يرتبط بأمن الطاقة والتجارة والاستثمار في المنطقة وخارجها، وقد أفادت رويترز في 18 أكتوبر بأن مصر أعلنت استعدادها لتقديم الدعم اللازم للسعودية إذا طلبت المملكة ذلك، في ظل تصاعد هجمات الحوثيين وتجدد القتال في اليمن بعد انهيار التهدئة السابقة، وتكشف هذه التطورات أن الجبهة اليمنية لم تعد ملفاً محلياً منفصلاً عن المواجهة الإقليمية، إذ يمكن أن تؤثر في أمن الأراضي السعودية، وحركة الطيران، ومنشآت الطاقة، والملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن، فضلاً عن انعكاساتها على أمن الخليج عموماً، لكن من الضروري التمييز بين ثلاثة مستويات من التحليل:
الأول: هو حق السعودية في حماية أراضيها ومواطنيها والمقيمين فيها ومنشآتها الحيوية، والتصدي للاعتداءات وفق القانون الدولي.
الثاني: هو ضرورة تقدير النتائج المحتملة لأي رد عسكري، بما يحقق غايته الدفاعية ويحد من احتمالات توسيع الحرب أو تعريض المدنيين لمخاطر إضافية.
الثالث: يتعلق بالمعالجة السياسية والأمنية طويلة الأمد، إذ لا يكفي التعامل مع كل هجوم باعتباره حادثاً منفصلاً، من دون معالجة البيئة التي تسمح بتكرار الهجمات وتوسع نطاقها.
ومن هنا تبرز أهمية التنسيق السعودي الخليجي والعربي، وتبادل المعلومات، وتعزيز الدفاعات الجوية والبحرية، وحماية المنشآت الحيوية، إلى جانب توحيد الجهود الدبلوماسية لتقليل فرص انتقال المواجهة إلى ساحات جديدة، ولا تعني الدعوة إلى احتواء التصعيد التساهل مع الاعتداءات، كما لا يعني الدفاع عن السيادة أن تصبح الحرب المفتوحة الخيار الوحيد، فالحزم في حماية الأمن الوطني والحكمة في إدارة الردود عنصران متكاملان لا خياران متعارضان، والأهم أن أمن الخليج لا يمكن فصله عن استقرار اليمن، ولا عن أمن الملاحة في البحر الأحمر ومضيق هرمز، ولا عن طبيعة العلاقات بين القوى الإقليمية، لذلك فإن أي مقاربة ناجحة تحتاج إلى الجمع بين الردع الدفاعي والمسار السياسي، مع عدم الخلط بين المسؤولية عن الاعتداءات والمسؤولية عن حماية المدنيين ومنع اتساع الحرب.
ثالثاً: مضيق هرمز.. ورقة تفاوض أم نقطة تحول في الصراع؟
يمثل مضيق هرمز أحد أهم الممرات البحرية في منظومة الطاقة العالمية، ولذلك فإن اضطراب الملاحة فيه لا يقتصر تأثيره على الدول المطلة عليه، بل يمتد إلى الاقتصادات المستوردة للطاقة، وشركات النقل والتأمين، والأسواق الصناعية والتجارية، وتكتسب التطورات الأخيرة أهمية إضافية لأن طهران أعادت تأكيد استعدادها لفتح المضيق خلال سبعة أيام وفق شروطها، في حين يتمحور الخلاف مع واشنطن حول ترتيب المفاوضات، والعقوبات والحصار، والبرنامج النووي الإيراني، وتريد طهران إعطاء أولوية لاستعادة أمن الملاحة وتدفق النفط، بينما تصر واشنطن على معالجة الملف النووي ضمن المفاوضات، ويكشف هذا التباين أن المسألة ليست فنية تتعلق بفتح ممر بحري فحسب، بل ترتبط بتحديد من يملك القدرة على التأثير في شروط التسوية.
فإذا أمكن التوصل إلى تفاهم بشأن الملاحة، فقد يشكل ذلك مدخلاً لخفض التصعيد وبناء الثقة، أما إذا ربطت الأطراف حرية المرور بتحقيق جميع مطالبها السياسية والأمنية، فقد يتحول المضيق إلى أداة ضغط متبادلة تطيل أمد الأزمة، وتكمن الخطورة في أن استمرار التهديدات البحرية يفرض تكاليف إضافية على الشحن والتأمين، ويؤثر في قرارات شركات النقل والتجارة، ويجعل الأسواق أكثر حساسية تجاه أي حادث جديد، وقد تستمر هذه الآثار حتى في الفترات التي تتراجع فيها أسعار النفط، لأن انخفاض السعر لا يعني بالضرورة زوال المخاطر التشغيلية أو عودة الثقة إلى الأسواق، وبالنسبة إلى دول الخليج، فإن حماية الممرات البحرية لا تنفصل عن حماية المنشآت النفطية والموانئ والبنية التحتية، كما أن الاعتماد على الحلول العسكرية وحدها لا يضمن استدامة الملاحة إذا ظلت أسباب المواجهة قائمة، لذلك، فإن الاختبار الحقيقي ليس مجرد الإعلان عن فتح المضيق، ولكن القدرة على ضمان مرور آمن ومستقر، ومنع استخدام الملاحة التجارية وسيلةً للضغط السياسي والعسكري، ووضع ترتيبات واضحة يمكن مراقبتها والتحقق من الالتزام بها.
رابعاً: العراق ولبنان.. الدول الأكثر عرضة لتكاليف الصراع المركب
العراق، وفاتورة الحرب تكشف هشاشة الاقتصاد.. يمثل العراق حالة واضحة لدولة يمكن أن تتحمل تكاليف حرب إقليمية حتى عندما لا تكون صاحبة القرار في إشعالها، فاقتصاده يعتمد بدرجة كبيرة على صادرات النفط، فيما ترتبط قدرته على تمويل الموازنة والإنفاق العام والاستيراد باستمرار تدفق الإيرادات النفطية، وفي 16 أكتوبر نقلت تقارير صحفية عن وزير الخارجية العراقي تقديراً للخسائر المرتبطة بالحرب بنحو 60 مليار دولار في ظل اضطراب صادرات النفط وتراجع الإيرادات وارتفاع الضغوط الاقتصادية، وينبغي التعامل مع هذا الرقم باعتباره تقديراً حكومياً منسوباً إلى المسؤول مع ضرورة التحقق من نطاقه الزمني ومنهجيته قبل استخدامه بوصفه حصيلة اقتصادية نهائية، إذ الدلالة الاستراتيجية لا تتوقف على الرقم نفسه، فالأزمة تكشف أن الاعتماد الكبير على مورد واحد مع محدودية البدائل التصديرية والمالية يجعل الاقتصاد العراقي معرضاً للصدمات الخارجية، ويحوّل أي اضطراب طويل في الملاحة إلى مشكلة تمس الموازنة وسعر الصرف والأسعار والخدمات وفرص العمل.
وعلى المستوى السياسي والأمني، يواجه العراق اختباراً يتمثل في حماية سيادته، ومنع استخدام أراضيه منصة لتصفية الحسابات الإقليمية، والحفاظ على علاقاته مع الدول العربية والإقليمية والدولية وفق مصالحه الوطنية، ولا يتحقق ذلك بمجرد إعلان الحياد، ولكن يحتاج إلى مؤسسات قادرة على تنفيذ القرار، وسياسة خارجية متوازنة، وقرار أمني موحد، وإدارة اقتصادية تقلل الاعتماد على الإيرادات النفطية وحدها، فالعراق لا يحتاج إلى الانخراط في صراعات الآخرين كي يثبت حضوره الإقليمي؛ بل يحتاج إلى تعزيز الدولة، وحماية المواطنين، وتوسيع التعاون الاقتصادي، وتطوير بدائل النقل والتصدير، وتهيئة بيئة استثمارية تقلل أثر الأزمات الخارجية.
لبنان، هل تستطيع الدبلوماسية تحويل وقف القتال إلى تسوية؟ لبنان، يواجه معضلة مختلفة، تتمثل في استمرار المواجهة مع إسرائيل، وتداخل الملف الأمني الداخلي مع الصراع الإقليمي، والخلاف بشأن السلاح والسيادة والانسحاب الإسرائيلي.
ومن المقرر، وفق تقرير لرويترز نُشر في 17 أكتوبر، أن يشارك وفد عسكري لبناني في اجتماع ثلاثي بوساطة أميركية في 20 أكتوبر، بهدف طرح مطلب وقف الهجمات الإسرائيلية، غير أن انعقاد الاجتماع لا يعني أن اتفاقاً قد تحقق، بل يمثل اختباراً لمدى استعداد الأطراف للانتقال من إدارة المواجهة إلى معالجة أسبابها، وتكمن الصعوبة في أن أي تسوية مستدامة تحتاج إلى معالجة متزامنة لقضايا وقف العمليات العسكرية، وحماية الحدود، وسيادة الدولة اللبنانية، والترتيبات الأمنية، ومستقبل السلاح خارج مؤسسات الدولة، وإذا عولجت هذه الملفات بصورة جزئية أو متعارضة، فقد يصبح وقف إطلاق النار مجرد هدنة مؤقتة تتيح إعادة ترتيب القدرات قبل تجدد القتال، وهنا تتضح أهمية لبنان والعراق معاً في معادلة الأمن الإقليمي، فكلاهما يحتاج إلى منع تحوّل أراضيه ومؤسساته إلى ساحات تنافس بين القوى الخارجية، وإن اختلفت طبيعة التحديات الداخلية في كل منهما.
خامساً: الاقتصاد العالمي، من صدمة الطاقة إلى كلفة الاستنزاف
لا تتوزع الأعباء الاقتصادية للحرب بالتساوي، إذ قد تستفيد بعض الدول المنتجة للطاقة من ارتفاع الأسعار في ظروف معينة، لكن هذه المكاسب لا تعني أن الاقتصاد العالمي بمعزل عن الخسائر الناجمة عن اضطراب الإمدادات والملاحة، فارتفاع أسعار الطاقة يزيد تكاليف النقل والإنتاج، وقد يرفع أسعار السلع والخدمات، بينما يضغط اضطراب الشحن والتأمين على الشركات والمستوردين، وتتضرر الاقتصادات ذات الموارد المالية المحدودة بصورة أكبر، خصوصاً عندما تتزامن صدمة الطاقة مع ضعف العملة أو ارتفاع الدين أو زيادة كلفة الاستيراد، أما الدول التي تعتمد على صادرات النفط، فقد تواجه مفارقة أشد تعقيداً، أسعار مرتفعة من جهة، وصعوبة تصدير الكميات المطلوبة من جهة أخرى، وهذا ما يجعل حجم الإيرادات الفعلية مرتبطاً بقدرة الإنتاج والنقل والتسويق، لا بالسعر العالمي وحده.
كذلك، قد يدفع استمرار المخاطر البحرية الشركات إلى تغيير مساراتها، أو تأخير الشحنات، أو زيادة المخزونات الاحتياطية، بما يرفع الكلفة النهائية حتى إذا لم تتوقف الإمدادات كلياً، ومن المنظور الاستراتيجي تتحول الطاقة في مثل هذه الأزمات من سلعة اقتصادية إلى عنصر من عناصر الضغط السياسي، فاستخدام هذا العنصر بصورة مفرطة قد ينعكس على الدول التي تستخدمه أيضاً عبر تراجع الطلب، وزيادة العزلة الاقتصادية، وتشجيع المستوردين على البحث عن مصادر ومسارات بديلة، ثم إن منع تعطيل الملاحة واستقرار تدفقات الطاقة ليس مصلحة لدول الخليج وحدها بل مصلحة دولية مشتركة، إذ يقتضي ذلك تعاوناً لحماية السفن والمنشآت الحيوية، وإبقاء قنوات الاتصال مفتوحة، وتجنب استهداف البنية المدنية والاقتصادية التي تعتمد عليها حياة السكان.
سادساً: إلى أين تتجه المنطقة؟ ثلاثة سيناريوهات وفق المؤشرات المتاحة
لا يمكن بناء قراءة استراتيجية مسؤولة على توقع واحد قطعي، خصوصاً في صراع تتغير فيه المواقف بسرعة، والأدق هو تحديد مسارات محتملة، ثم ربط كل منها بالمؤشرات التي قد تدفع إليه.
السيناريو الأول: يفترض هذا المسار أن تدرك الأطراف أن استمرار المواجهة يرفع التكاليف من دون ضمان تحقيق أهدافها كاملة، وقد يبدأ خفض التصعيد بتفاهم محدود بشأن الملاحة في مضيق هرمز، أو بوقف بعض الهجمات، أو بترتيبات أمنية تتيح استئناف المفاوضات، وتكمن أهمية هذا السيناريو في أنه لا يشترط حل جميع الخلافات دفعة واحدة؛ إذ قد يكون الاتفاق على إجراءات قابلة للتحقق مدخلاً لمعالجة الملفات الأكثر تعقيداً لاحقاً، لكن فرص نجاحه ستظل مرتبطة بمدى استعداد الأطراف لتقديم تنازلات متبادلة، ووجود آليات مراقبة واضحة، وضمانات تمنع استغلال التهدئة لإعادة إطلاق المواجهة، والمؤشرات الداعمة له هي: تراجع الهجمات البحرية، ووضوح شروط التفاوض، ووجود خطوات متبادلة قابلة للتحقق، وتقدم الوساطات الإقليمية والدولية.
السيناريو الثاني: تستمر المواجهة في هذا المسار من دون أن تصل إلى تسوية شاملة أو حرب مفتوحة على جميع الجبهات، وتتبادل الأطراف الضغط العسكري والاقتصادي، مع فترات من التهدئة المحدودة تتخللها حوادث جديدة، ويبدو هذا السيناريو مهماً في التحليل لأنه لا يتطلب انتصار طرف بصورة حاسمة، ولا يفترض انهيار قنوات التفاوض بالكامل، إذ يترك المنطقة عرضة للتوتر المستمر، ويزيد كلفة التأمين والاستثمار والتجارة، ويضع الحكومات أمام ضغوط أمنية ومالية متراكمة. وقد يكون أخطر ما فيه أن الاعتياد على التصعيد يجعل الحوادث المتكررة تبدو أقل أهمية، بينما تتراكم آثارها حتى تقع مواجهة أكبر من قدرة الأطراف على احتوائها، والمؤشرات الداعمة له هي استمرار التهديدات البحرية، وتعثر التفاوض، وبقاء العمليات العسكرية ضمن نطاقات محدودة ومتقطعة، مع عدم ظهور استعداد واضح لتسوية أوسع.
السيناريو الثالث: يتعزز هذا الاحتمال إذا أدى استهداف منشأة استراتيجية أو سقوط أعداد كبيرة من الضحايا أو تعطيل واسع للملاحة إلى ردود متتابعة تشمل أطرافاً إضافية، وقد تتفاقم المخاطر إذا تراجعت قنوات الاتصال، أو اتسعت قائمة الأهداف، أو تحولت الجبهات اليمنية واللبنانية والعراقية إلى ساحات أكثر ارتباطاً بالمواجهة المباشرة، ولا يعني هذا أن الحرب الشاملة أصبحت حتمية، بل أن مخاطرها ترتفع عندما تتقلص الخيارات السياسية، ويصبح التراجع مكلفاً داخلياً، ويعتقد كل طرف أن خصمه لن يستجيب إلا لمزيد من القوة. المؤشرات الداعمة له هي اتساع نوعية الأهداف المستهدفة، وتكرار الهجمات على المنشآت الحيوية، وتراجع الوساطات، وظهور استعدادات عسكرية تتجاوز الردود المحدودة، وتعطل قنوات التفاوض بصورة مستمرة، ومن المهم ألا تُقرأ هذه السيناريوهات باعتبارها توقعات متساوية الاحتمال أو نتائج محسومة، إذ يحتاج ترجيح أي منها إلى متابعة الوقائع الميدانية والتصريحات الرسمية والتطورات الدبلوماسية بصورة متواصلة.
سابعاً: ما الذي تستطيع الدول العربية فعله لمنع اتساع الصراع؟
لا تستطيع الدول العربية منفردة حسم جميع الخلافات بين القوى الكبرى والإقليمية، لكنها تستطيع التأثير في البيئة التي تتحرك ضمنها هذه الصراعات، وتقليل فرص انتقالها إلى أراضيها ومؤسساتها ومصالحها الاقتصادية، ويبدأ ذلك بتعزيز التنسيق السياسي والأمني بين الدول المعنية، وتبادل المعلومات، وحماية المنشآت والممرات البحرية، مع الحفاظ على قنوات اتصال مع الأطراف المؤثرة، كما يتطلب موقفاً واضحاً من الاعتداءات على سيادة الدول، من دون تحويل الخلافات إلى صراعات مفتوحة لا يمكن التحكم في نتائجها، وتبرز هنا أهمية الدبلوماسية العربية الجماعية، لا بوصفها بديلاً عن الدفاع الوطني، بل باعتبارها وسيلة لتقليل مخاطر سوء التقدير وفتح مسارات للتفاوض، ويحتاج هذا الدور إلى أهداف محددة: حماية المدنيين، وضمان أمن الملاحة، ومنع استخدام الأراضي العربية منصات للهجمات، ودعم تسويات تحترم سيادة الدول وتلتزم بالقانون الدولي.
كما ينبغي ألا يقتصر التفكير الاستراتيجي على إدارة الأزمة الراهنة، إذ كشفت الأحداث أهمية تنويع مصادر الدخل، وتعزيز الاحتياطيات والقدرات اللوجستية، وتطوير بدائل تصدير الطاقة، وتقليل الاعتماد على الممرات الأكثر عرضة للاضطراب حيثما كان ذلك ممكناً ومجدياً اقتصادياً، فالدول الأكثر قدرة على امتصاص الصدمات هي التي تجمع بين الجاهزية الدفاعية، والمرونة الاقتصادية، والتماسك المؤسسي، والسياسة الخارجية المتوازنة.
ثامناً: القوة الحقيقية في منع الحرب التي لا يمكن التحكم في نتائجها
يقف الشرق الأوسط أمام اختبار يتجاوز موازين القوة العسكرية إلى قدرة القيادات على تقدير العواقب، وإدراك حدود الضغط، وتحويل المكاسب المؤقتة إلى ترتيبات سياسية وأمنية قابلة للاستمرار، فالتطورات الراهنة تظهر أن الصراع لم يعد محصوراً في العلاقة بين واشنطن وطهران أو في المواجهة بين إيران وإسرائيل، لكنها أصبحت تداعياته تمس أمن السعودية والخليج، ومستقبل اليمن ولبنان، واستقرار العراق، وتدفق الطاقة والتجارة العالمية، وفي هذه البيئة لا يكفي أن يعلن كل طرف قدرته على مواصلة القتال، فالسؤال الأهم هو ما إذا كان يستطيع تحقيق أهدافه من دون دفع المنطقة إلى استنزاف طويل، أو خلق ظروف تجعل أي تسوية لاحقة أكثر صعوبة وكلفة.
إن حماية السيادة ورفض الاعتداءات حق ومسؤولية، ولكن الدفاع الفاعل لا ينفصل عن تقدير النتائج والعمل على منع توسع المواجهة، كما أن الدبلوماسية ليست تنازلاً عن الحقوق، فهي وسيلة لاختبار إمكان الوصول إلى ترتيبات تحفظ الأمن وتقلل احتمالات تجدد الحرب، وبالنسبة إلى الدول العربية، فإن التحدي لا يقتصر على تجنب الانخراط في صراعات الآخرين، حيث يشمل بناء قدرة مستقلة على حماية المصالح الوطنية، وتعزيز التعاون الإقليمي، وتحصين الاقتصادات والمجتمعات من آثار الأزمات الممتدة، ولا يمكن الجزم اليوم بالمسار الذي ستتخذه المنطقة، لكن يمكن القول إن مستقبلها سيتأثر بمدى قدرة الأطراف على ضبط التصعيد، وبالقرارات التي ستُتخذ في الأيام والأسابيع المقبلة، ولا سيما بشأن مضيق هرمز والجبهة اليمنية ومسارات التفاوض، ويبقى السؤال الاستراتيجي الذي ينبغي أن يشغل صناع القرار والرأي العام..
هل تتحول موازين القوة إلى مدخل لتسوية تحفظ سيادة الدول وأمن الشعوب، أم يستمر التصعيد حتى تصبح كلفة الحرب أكبر من قدرة الأطراف على التحكم في نتائجها؟
إن مستقبل الشرق الأوسط لا ينبغي أن يُترك للحسابات الخاطئة أو لمنطق الردود المتبادلة، ولكن يحتاج إلى قيادة مسؤولة، ودبلوماسية جادة، وتعاون إقليمي يحمي السيادة ويصون الإنسان ويمنع تحويل الخلافات السياسية إلى حروب مفتوحة.
المصادر:
رويترز، 18 أكتوبر/تشرين الأول 2026: إيران تحث الولايات المتحدة على قبول مقترح إعادة فتح مضيق هرمز؛ https://www.reuters.com/world/middle-east/iran-urges-us-accept-proposal-reopen-strait-hormuz-2026-10-18/؛
رويترز، 18 أكتوبر/تشرين الأول 2026: مصر تعلن استعدادها لتقديم الدعم اللازم للسعودية وسط تصاعد الصراع مع الحوثيين؛ https://www.reuters.com/world/middle-east/egypt-says-ready-give-saudi-arabia-necessary-support-amid-houthi-conflict-2026-10-18/؛
رويترز، 17 أكتوبر/تشرين الأول 2026: لبنان يسعى إلى وقف الهجمات الإسرائيلية خلال محادثات مرتقبة بوساطة أميركية؛ https://www.reuters.com/world/middle-east/lebanon-says-military-delegation-will-press-halt-israeli-attacks-us-talks-2026-10-17/؛
عرب نيوز، نقلاً عن فرانس برس، 16 أكتوبر/تشرين الأول 2026: العراق يعلن خسائر تُقدّر بنحو 60 مليار دولار نتيجة تداعيات الحرب على صادرات النفط؛ https://www.arabnews.com/middle-east/iraq-says-lost-60bn-as-mideast-war-hits-oil-exports-3006727؛
رويترز، 16 أكتوبر/تشرين الأول 2026: تراجع أجور ناقلات النفط العملاقة من مستويات قياسية وسط اضطراب الشحن؛ https://www.reuters.com/business/energy/supertanker-rates-fall-record-highs-2026-10-16/.