AlRajeh International Groupمجموعة الراجح الدولية
→ كل المقالات

هل يتراجع النظام الدولي القائم؟ ومن يرسم قواعد العالم الجديد؟

هل يتراجع النظام الدولي القائم؟ ومن يرسم قواعد العالم الجديد؟

قراءة تحليلية في موازين القوى، ومستقبل القانون الدولي، ومصير النظام العالمي


لم يعد السؤال المطروح في الأوساط السياسية والفكرية الدولية مقتصراً على معرفة الدولة الأكثر نفوذاً أو القوة القادرة على فرض إرادتها، بل أصبح يتجاوز ذلك إلى سؤال أكثر عمقاً.. هل ما زال النظام الدولي القائم قادراً على تنظيم العلاقات بين الدول، أم أن العالم يشهد تحولاً تدريجياً في قواعد القوة وصناعة القرار؟

منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، تأسس النظام الدولي الحديث على مبادئ السيادة الوطنية، وعدم جواز استخدام القوة بما يخالف ميثاق الأمم المتحدة، وتسوية النزاعات بالوسائل السلمية، غير أن الفجوة بين هذه المبادئ وتطبيقها العملي ظلت موضع خلاف، وأصبحت أكثر وضوحاً مع تصاعد المنافسة بين القوى الكبرى، وتزايد النزاعات، وتراجع الثقة بقدرة المؤسسات الدولية على معالجة الأزمات بالفاعلية المطلوبة.

وتشير هذه التطورات إلى أن العالم يمر بمرحلة إعادة تشكيل لموازين القوة، لكن ذلك لا يعني بالضرورة انهيار النظام الدولي أو اختفاء المؤسسات القائمة، بل يطرح تساؤلات جدية بشأن قدرتها على التكيف مع واقع دولي متغير.

أولاً: من نظام تقوده قوة مهيمنة إلى عالم تتعدد فيه مراكز النفوذ

لم تعد القوة الدولية تُقاس بالتفوق العسكري وحده، إذ أصبحت تشمل القدرة الاقتصادية، والتقدم العلمي والتكنولوجي، والتحكم في البيانات، والتأثير في الأسواق، وبناء التحالفات والشراكات.

وتشير نتائج تقرير المخاطر العالمية لعام 2026 الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي إلى أن 68% من المشاركين في استطلاع التقرير يتوقعون خلال السنوات العشر المقبلة نظاماً دولياً متعدد الأقطاب أو مجزأً، تتنافس فيه القوى الكبرى والمتوسطة على تحديد القواعد والمعايير الإقليمية، وفي المقابل، لم يتوقع سوى 6% عودة النظام الأحادي القطبية السابق، وهذه الأرقام تعبّر عن تصورات المشاركين وخبرائهم، وليست تنبؤات مؤكدة بمستقبل العالم، لكنها تكشف عن اتساع النقاش بشأن شكل النظام الدولي القادم.

إن تعدد مراكز النفوذ قد يفتح المجال أمام دول جديدة لتعزيز حضورها، لكنه قد يؤدي أيضاً إلى زيادة التنافس على مناطق النفوذ والأسواق والموارد الاستراتيجية، ويتوقف أثر هذا التحول على قدرة الدول على إدارة خلافاتها، وعلى وجود قواعد تحكم المنافسة وتمنع تحولها إلى مواجهات مفتوحة.

ثانياً: الأمم المتحدة بين شرعية المبادئ وحدود التنفيذ

تظل الأمم المتحدة الإطار الدولي الأوسع الذي يجمع الدول لمعالجة قضايا السلام والأمن وحقوق الإنسان والتنمية، ولكن التحدي الأساسي لا يكمن في غياب المبادئ القانونية، بقدر ما يكمن في صعوبة تنفيذها بصورة متسقة عندما تتعارض المصالح السياسية للقوى المؤثرة.

وهنا يبرز مجلس الأمن في قلب هذه الإشكالية، بسبب امتلاك أعضائه الدائمين حق النقض، الذي قد يمنع صدور قرارات في قضايا تتباين بشأنها مصالح الدول الكبرى.

وقد شهدت الأمم المتحدة في فبراير/شباط2025 نقاشات موسعة بشأن إصلاح الحوكمة العالمية وتحديث مجلس الأمن، بما يعكس استمرار الجدل حول مدى تمثيل المؤسسات الدولية لموازين القوى واحتياجات العالم المعاصر.

ومن هنا، فإن إصلاح الأمم المتحدة لا ينبغي أن يُختزل في زيادة عدد الأعضاء أو تغيير بعض الإجراءات، بل يتطلب نقاشاً أوسع حول عدالة التمثيل، وفاعلية اتخاذ القرار، ومدى قدرة النظام الدولي على حماية المدنيين وتسوية النزاعات.

فالمؤسسة الدولية لا تفقد أهميتها لمجرد تعثرها في بعض الأزمات، كما أن استمرارها لا يكفي وحده لضمان العدالة، والمعيار الحقيقي هو قدرتها على تطبيق المبادئ التي قامت عليها بصورة أكثر فاعلية واتساقاً.

ثالثاً: القانون الدولي أمام اختبار المصداقية

تتمثل إحدى أخطر مشكلات النظام الدولي في اتساع الفجوة بين القواعد القانونية المعلنة وطريقة تطبيقها في بعض النزاعات.

فالقانون الدولي وُضع ليحد من استخدام القوة، ويحمي سيادة الدول، وينظم العلاقات بينها، ويؤكد الالتزامات المتعلقة بحماية المدنيين وحقوق الإنسان، ولكن مصداقية هذه القواعد تتأثر عندما يرى المجتمع الدولي تفاوتاً في الاستجابة للانتهاكات أو صعوبة في محاسبة المسؤولين عنها، ومع ذلك، فإن وجود حالات من الانتقائية أو تعثر التنفيذ لا يعني أن القانون الدولي فقد شرعيته، ولا يبرر التخلي عنه، ولكن يجعل الحاجة إلى تطبيقه بصورة متسقة أكثر إلحاحاً.

إن استقرار العلاقات الدولية لا يمكن أن يقوم على مبدأ أن القوي يحدد ما يجوز وما لا يجوز، بينما يُطلب من الدول الأضعف الالتزام بقواعد لا تجد دائماً من يضمن تنفيذها، كما أن الدفاع عن القانون الدولي لا ينبغي أن يكون انتقائياً أو مرتبطاً بهوية الطرف المعني، فالمعيار القانوني يجب أن يُطبق على أساس الوقائع والالتزامات ذات الصلة، بصرف النظر عن هوية الدولة أو موقعها السياسي.

وإذا فقدت القواعد الدولية ثقة الشعوب والدول، فإن كلفة ذلك لن تقتصر على المؤسسات الدبلوماسية، بل قد تمتد إلى تراجع فرص التسوية السلمية، واتساع منطق الردع والمواجهة، وضعف الثقة في الاتفاقيات الدولية.

رابعاً: التنافس على التكنولوجيا يعيد تعريف القوة

أصبحت التكنولوجيا المتقدمة أحد المكونات الأساسية للنفوذ الدولي، خصوصاً في مجالات الذكاء الاصطناعي، وأشباه الموصلات، والأمن السيبراني، والاتصالات، والفضاء.

ولا يقتصر التنافس في هذه المجالات على تحقيق أرباح اقتصادية، ولكن يمتد إلى الأمن القومي، والقدرة على حماية البنية التحتية، والتأثير في تدفق المعلومات، وتحديد المعايير التي ستعتمدها الدول والشركات مستقبلاً، وتزداد أهمية هذه المسألة بالنسبة إلى الدول النامية، التي قد تجد نفسها مستهلكة للتكنولوجيا وقواعدها بدلاً من المشاركة في إنتاجها وصياغة معاييرها.

وقد تناول الاتفاق العالمي الرقمي، الذي اعتمدته الدول الأعضاء في الأمم المتحدة عام2024 ضمن ميثاق المستقبل، أهمية التعاون الدولي في حوكمة التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، وتقليص الفجوات الرقمية، وتوسيع فرص الاستفادة من الابتكار.

لكن تحويل هذه الالتزامات إلى نتائج ملموسة يتطلب تمويلاً، وبناء القدرات، وتطوير التعليم والبحث العلمي، وضمان ألا تتحول الفجوة التكنولوجية إلى شكل جديد من التفاوت في النفوذ والفرص.

فمن يمتلك المعرفة والقدرة على تطوير التكنولوجيا يمتلك أدوات إضافية للتأثير في الاقتصاد العالمي، لكن استقرار هذا المجال يتطلب أيضاً قواعد مشتركة تحد من المخاطر وتعزز الاستخدام المسؤول للتقنيات الجديدة.

خامساً: هل يتجه العالم نحو تكتلات متنافسة؟

تواجه الدول ضغوطاً متزايدة لإعادة تقييم علاقاتها الاقتصادية والأمنية، وتنويع شراكاتها، وتقليل الاعتماد على مصادر محدودة في القطاعات الحيوية، وقد يدفع ذلك إلى تعزيز التعاون الإقليمي وتطوير بدائل للإمدادات والتكنولوجيا والتمويل. لكنه قد يؤدي أيضاً إلى انقسام أعمق إذا تحولت الشراكات إلى تكتلات مغلقة، أو أصبحت التجارة والاستثمارات أدوات للضغط السياسي بصورة متزايدة.

ولا توجد ضرورة حتمية لأن ينتهي تعدد مراكز القوة إلى صراع شامل، فقد يتيح للدول فرصاً أوسع للتعاون والموازنة بين مصالح مختلفة، ولكن هذه الفرص لا تتحقق تلقائياً، ولكن تحتاج إلى دبلوماسية نشطة، واتفاقيات واضحة، ومؤسسات قادرة على معالجة الخلافات.

وفي هذا السياق، تصبح مسؤولية القوى الكبرى أكبر، لأن قراراتها لا تؤثر في مصالحها الوطنية وحدها، ولكن تمتد آثارها إلى الدول الأخرى، خصوصاً تلك التي تملك قدرة محدودة على مواجهة الصدمات السياسية والاقتصادية.

والسؤال ليس ما إذا كانت المنافسة ستستمر، ولكن ما إذا كانت الدول ستتمكن من ضبطها بقواعد مشتركة، أم ستتركها تتحول إلى سباق مفتوح على النفوذ.

سادساً: أين يقف العالم العربي والعراق في هذه التحولات؟

إن التحولات الدولية لا تفرض على الدول العربية أن تختار تلقائياً بين القوى المتنافسة، لكنها تفرض عليها مراجعة أدوات سياستها الخارجية وأولوياتها الاقتصادية والأمنية، فالدول التي تمتلك اقتصاداً متنوعاً، ومؤسسات فعالة، وتعليماً متقدماً، وقدرة على إنتاج المعرفة، تكون في وضع أفضل لحماية مصالحها والتفاوض على أساس أكثر توازناً.

أما العراق، فإن موقعه الجغرافي وثرواته الطبيعية وعلاقاته الإقليمية والدولية تمنحه إمكانات مهمة، لكن الاستفادة منها تتطلب سياسة خارجية متوازنة، ومؤسسات وطنية قوية، واقتصاداً أقل اعتماداً على مورد واحد، وسيادة للقانون، وقدرة على اتخاذ القرار وفق المصلحة الوطنية.

ولا يكفي أن يكون العراق حاضراً في علاقاته مع القوى الكبرى، ولكن ينبغي أن يكون قادراً على تحديد أولوياته بوضوح، وتنويع شراكاته، وتجنب تحويل أراضيه أو موارده إلى ساحة لتصفية الحسابات بين الآخرين.

كما أن تعزيز الاستقلال الوطني لا يتحقق بالشعارات وحدها، ولكن ببناء دولة تحظى بثقة مواطنيها، وتحمي حقوقهم، وتدير مواردها بشفافية، وتستند في علاقاتها الخارجية إلى مؤسساتها ومصالحها الدستورية.

فكلما كانت الدولة أكثر تماسكاً من الداخل، ازدادت قدرتها على التعامل مع التحولات الدولية من موقع الشريك، لا من موقع الطرف الذي تُملى عليه خياراته.

سابعاً: من يكتب قواعد العالم الجديد؟

إن العالم يمر بتحولات حقيقية في توزيع النفوذ وأدوات القوة، لكن شكل النظام الدولي القادم لم يُحسم بعد، فتعدد مراكز القوة قد يفتح المجال أمام توازنات جديدة، وقد يزيد التنافس والانقسام، أما النتيجة فتتوقف على قرارات الدول، وقدرة المؤسسات الدولية على الإصلاح، ومدى احترام القواعد القانونية المشتركة.

وتبقى أمام المجتمع الدولي مهمة أساسية.. تحديث المؤسسات بما يوسع التمثيل ويعزز الفاعلية، وتقوية آليات تسوية النزاعات، وحماية القانون الدولي من الانتقائية، وضمان ألا تتحول التكنولوجيا والقوة الاقتصادية إلى أدوات لفرض الإرادة على الشعوب والدول الأضعف.

إن النظام الدولي لا يُقاس فقط بقدرة القوى الكبرى على فرض مصالحها، بل أيضاً بقدرته على توفير قواعد عادلة ومستقرة تحمي الدول من الاعتداء، وتمنح الشعوب فرصة للعيش بأمن وكرامة، وتتيح للدول النامية المشاركة في صياغة مستقبلها.

ويبقى السؤال الذي يستحق أن يطرحه العالم على نفسه.. هل ستكون قواعد النظام الدولي القادم ثمرة تفاهم بين الدول على أساس القانون والمصالح المتبادلة، أم ستتحدد وفق موازين القوة وحدها؟

إن الإجابة لن تصنعها دولة واحدة، بل ستتوقف على إرادة المجتمع الدولي في تحويل التنافس إلى تعاون، والنفوذ إلى مسؤولية، والقوة إلى وسيلة لحماية السلام لا لتقويضه.



المصادر:

المنتدى الاقتصادي العالمي - تقرير المخاطر العالمية 2026.

المصدر الخاص باستطلاع تصورات الخبراء حول تعدد الأقطاب وتجزؤ النظام الدولي.

الأمم المتحدة - ميثاق المستقبل.

المرجع الرسمي لإصلاح الحوكمة العالمية، والتعاون الدولي، والاتفاق العالمي الرقمي 2024.

الأمم المتحدة - نقاش إصلاح الحوكمة العالمية، 18 فبراير 2025

مرجع للنقاشات الدولية بشأن تحديث الأمم المتحدة ومجلس الأمن، قراءة التغطية الرسمية.

مجلس حقوق الإنسان - تقرير اتجاهات جيوسياسية ومحركات الفجوة بين الشمال والجنوب، 2025.