العراق إلى أين؟ سيادة الدولة بين نفوذ الخارج والفساد وأزمة الاقتصاد

ثروة كبيرة... ومواطن ينتظر أبسط حقوقه
يمتلك العراق ثروات نفطية هائلة، وأراضي زراعية واسعة، وموقعًا جغرافيًا استراتيجيًا، وتاريخًا حضاريًا عريقًا، وكفاءات علمية ومهنية قادرة على الإسهام في بناء دولة حديثة، ومع ذلك، ما زال المواطن العراقي يواجه أزمات الكهرباء، وارتفاع الأسعار، والبطالة، وضعف الخدمات، وتعقيدات المعاملات الإدارية، فيما تتواصل الأسئلة بشأن مصير المال العام ومستقبل الاقتصاد.
هذه المفارقة لا يمكن تفسيرها بنقص الموارد، بل بضعف إدارتها، واختلال الأولويات، وتراجع الثقة بالمؤسسات، وتداخل المصالح السياسية والاقتصادية، فضلًا عن تأثيرات النفوذ الإقليمي والدولي في القرار العراقي.
فالمشكلة الحقيقية ليست في حجم الثروة التي يمتلكها العراق، وإنما في قدرته على تحويلها إلى تنمية مستدامة، وعدالة اجتماعية، وخدمات تحفظ كرامة المواطن، ودولة تمتلك قرارها وتفرض القانون على الجميع.
ومن هنا يبرز السؤال الذي يتجاوز حدود تشكيل الحكومات وتغيير المسؤولين.. هل يمتلك العراق اليوم مشروعًا وطنيًا واضحًا يعيد بناء مؤسساته، ويحمي سيادته، ويضع مصالح شعبه فوق حسابات الأحزاب والقوى المتنافسة؟
حكومة اكتملت تشكيلتها... فهل تبدأ مرحلة جديدة؟
في 15 تشرين الأول 2026، صوّت مجلس النواب العراقي على استكمال التشكيلة الحكومية، بما شمل نواب رئيس الوزراء وعددًا من الوزراء والحقائب الشاغرة والمستحدثة، بعد أشهر من بقاء مناصب حكومية دون حسم، وشمل التصويت وزارات أمنية واقتصادية وخدمية، إلى جانب استحداث وزارة للاقتصاد الرقمي والحوكمة والعلوم والتكنولوجيا.
ويمثل استكمال التشكيلة خطوة دستورية وإدارية مهمة، لكنه لا يشكل بحد ذاته دليلًا على نجاح الحكومة أو قدرتها على معالجة الأزمات المتراكمة.
فالعراقيون شهدوا تشكيل حكومات متعددة، وأُعلنت في كل مرحلة برامج ووعود بالإصلاح ومكافحة الفساد وتحسين الخدمات، ولكن المعيار الحقيقي لم يكن يومًا عدد الوزراء أو حجم البرنامج الحكومي، بل مقدار التغيير الذي انعكس على حياة المواطنين.
كما أن طبيعة التوازنات السياسية التي رافقت اختيار بعض المسؤولين تفتح مجددًا باب التساؤل عن حدود استقلال القرار الحكومي، ومدى قدرة المؤسسات على العمل وفق الكفاءة والمصلحة العامة، بعيدًا عن المحاصصة والولاءات الحزبية.
المطلوب اليوم ليس منح الحكومة وقتًا مفتوحًا لتكرار الوعود، ولا الحكم عليها مسبقًا بالفشل، بل إخضاع أدائها لمعايير واضحة ومعلنة.. أهداف محددة، وجداول زمنية، ومؤشرات قابلة للقياس، وتقارير دورية تبين ما أُنجز وما تعثر وأسباب ذلك.
فالمنصب الوزاري مسؤولية وطنية، وليس استحقاقًا حزبيًا أو مكافأة سياسية، والمواطن لا ينتظر إعلان الخطط بقدر ما ينتظر نتائجها في الشارع والمدرسة والمستشفى ومكان العمل.
السيادة الوطنية: من الخطاب إلى القرار
تتكرر كلمة السيادة في الخطابات السياسية العراقية، لكنها تظل ناقصة ما لم تتحول إلى ممارسة مؤسسية تحمي استقلال القرار الوطني.
فالسيادة لا تعني العزلة عن العالم، ولا قطع العلاقات مع دول الجوار، ولا الدخول في مواجهات غير محسوبة مع القوى الدولية، أنها تعني أن يدير العراق علاقاته الخارجية وفق مصالحه الوطنية، وأن تكون مؤسساته الدستورية صاحبة القرار في الأمن والسياسة الخارجية والاقتصاد، وأن يقوم التعاون الدولي على الاحترام المتبادل لا على التبعية أو الإملاء.
يقع العراق في منطقة تتشابك فيها المصالح الإقليمية والدولية، وتؤثر فيها الصراعات على أمنه واقتصاده وموارده وموقعه الاستراتيجي، وفي مثل هذه البيئة، لا تكفي الشعارات الوطنية لحماية الدولة، ولكن تحتاج إلى مؤسسات قوية، ودبلوماسية متوازنة، واقتصاد قادر على الصمود، وقرار أمني موحد.
ويبدأ ذلك بحصر السلاح والقرار العسكري ضمن الأطر الدستورية والقانونية للدولة، ومنع استخدام الأراضي العراقية منصة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية، وتعزيز سلطة المؤسسات الشرعية، وضمان خضوع الاتفاقيات الأمنية والاقتصادية للرقابة القانونية والبرلمانية.
كما يتطلب أن تكون علاقات العراق مع الولايات المتحدة وإيران والدول العربية وتركيا وسائر الشركاء قائمة على المصالح المتبادلة، لا على منطق المحاور أو التنازلات التي يدفع المواطن ثمنها.
إن الدولة التي لا تستطيع حماية قرارها الداخلي، أو إدارة علاقاتها الخارجية باستقلالية، ستظل معرضة لضغوط تتجاوز إرادتها، أما الدولة القوية فهي التي تعرف مصالحها، وتحدد أولوياتها، وتدير خلافاتها بالحوار والقانون، دون التفريط بحقوق شعبها.
الفساد: أزمة دولة قبل أن يكون قضية أموال
لم يعد الفساد في العراق مجرد تجاوزات مالية أو حالات فردية يمكن احتواؤها بحملات مؤقتة، بل أصبح تحديًا مؤسسيًا يؤثر في كفاءة الإدارة العامة، وجودة الخدمات، وعدالة توزيع الفرص، وثقة المجتمع بالدولة.
ويشير تقرير صندوق النقد الدولي بشأن العراق لعام 2025 إلى استمرار تحديات الفساد، وضعف الحوكمة، والاختلالات في الإنفاق العام، ومواطن الضعف في قطاعات النفط والكهرباء والمشتريات الحكومية. كما يؤكد أهمية تعزيز المساءلة وتحسين إدارة المال العام ورفع كفاءة الاستثمار.
وتكشف هذه التحديات أن مكافحة الفساد لا تتحقق بكثرة التصريحات أو الإعلان عن فتح التحقيقات، وإنما بقدرة المؤسسات على منع المخالفات، وكشفها، ومحاسبة المسؤولين عنها وفق القانون.
ومن الخطوات العملية الضرورية نشر العقود الحكومية وإجراءات المناقصات ونتائج الإحالة، وإتاحة المعلومات المتعلقة بالمشروعات العامة، وتعزيز استقلال الأجهزة الرقابية، وتطوير الأنظمة الرقمية التي تحد من الاحتكاك الإداري والرشوة والوساطة.
ويجب كذلك حماية المبلّغين عن الفساد، وضمان عدم التدخل السياسي في عمل القضاء، وتسريع التحقيقات ضمن الضمانات القانونية، واسترداد الأموال المتحصلة من جرائم الفساد وفق الإجراءات القضائية المعتمدة.
لكن العدالة تقتضي التمييز بين الاتهام والإدانة، فلا يجوز استخدام مكافحة الفساد لتصفية الحسابات السياسية أو التشهير بالأفراد قبل ثبوت مسؤوليتهم، والمقصود إن المحاسبة الفاعلة هي التي تقوم على الأدلة، وتُطبّق على الجميع دون استثناء، وتحفظ حق المتهم في الدفاع والمحاكمة العادلة.
إن المشكلة ليست في غياب التشخيص، فالعراقيون يعرفون كثيرًا من أوجه الخلل، والمشكلة في تحويل المعرفة إلى إصلاح مستمر، وفي وجود إرادة سياسية تقبل إخضاع المسؤولين للمساءلة مهما كانت مواقعهم وانتماءاتهم.
الدينار العراقي وارتفاع الأسعار.. من يدفع ثمن القرارات الاقتصادية؟
في 7 تشرين الأول 2026، بدأ العمل بسعر الصرف الرسمي المعدّل للدينار العراقي، ليبلغ سعر بيع الدولار للجمهور 1520 دينارًا، مقابل 1510 دنانير للمصارف، فيما حُدد سعر شراء الدولار من وزارة المالية عند 1500 دينار.
وجاء القرار في ظروف مالية واقتصادية صعبة، وسط اضطرابات في صادرات النفط وتراجع الإيرادات المرتبطة بالتطورات الإقليمية، ويؤكد هذا التطور مدى ارتباط الاقتصاد العراقي بالموارد النفطية، ومدى تأثر الموازنة العامة بأي اضطراب في أسواق الطاقة أو حركة الصادرات.
لكن تغيير سعر الصرف لا يُقرأ بالأرقام وحدها، حيث له انعكاسات محتملة على كلفة الاستيراد والأسعار والقوة الشرائية للمواطن، خصوصًا أن العراق يعتمد بدرجة كبيرة على السلع المستوردة.
وفي المقابل، لا يمكن افتراض أن كل ارتفاع في الأسعار ناتج عن سعر الصرف وحده، إذ تتداخل عوامل أخرى، منها تكاليف النقل والشحن، والمنافسة، وهوامش الربح، وظروف العرض والطلب، ومدى فاعلية الرقابة على الأسواق.
ومن هنا تقع على الحكومة مسؤولية توضيح أهداف القرار وتقدير آثاره، ومراقبة تطورات الأسعار، ومنع الاستغلال غير المبرر، وتوجيه برامج الحماية الاجتماعية إلى الفئات الأكثر تضررًا.
كما ينبغي تقييم نتائج القرار بصورة دورية وشفافة، بدل الاكتفاء بتبريره عند إعلانه، والسياسة النقدية لا تُقاس فقط بقدرتها على توفير الإيرادات للخزينة، بل كذلك بتأثيرها في الاستقرار الاقتصادي ومستوى معيشة المواطنين.
وعلى المدى البعيد، لن يتحقق استقرار الدينار بصورة مستدامة ما لم يترافق مع انضباط مالي، وتنويع مصادر الدخل، وتطوير الإنتاج المحلي، وتعزيز الثقة بالنظام المصرفي، وتقليل الاعتماد على الاستيراد.
فلا يمكن اعتبار أي معالجة مالية ناجحة إذا كانت أعباؤها تقع بصورة غير متوازنة على أصحاب الرواتب المحدودة والمتقاعدين والفئات الأكثر هشاشة.
القطاع المصرفي بين الرقابة الوطنية وضغوط العقوبات الدولية
في 15 تشرين الأول 2026، أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية إجراءات تتعلق بمصرف التنمية الدولي العراقي، متهمةً إياه بتسهيل معاملات مالية مرتبطة بشبكات إيرانية خاضعة للعقوبات.
ومن الضروري التعامل مع هذه القضية بدقة مهنية؛ فالبيان الأمريكي يعكس موقف الجهة التي أصدرته واتهاماتها، ولا يصح تحويل كل ما ورد فيه تلقائيًا إلى إدانة قضائية نهائية لكل جهة أو شخص معني.
لكن القضية، بصرف النظر عن مآلاتها القانونية، تثير أسئلة مهمة بشأن متانة النظام المصرفي العراقي، وفاعلية الرقابة على التحويلات الخارجية، ومدى التزام المصارف بمعايير مكافحة غسل الأموال وتمويل الأنشطة المحظورة.
فالقطاع المصرفي ليس مجرد وسيلة لتبادل الأموال، بل أحد أعمدة الاستقرار الاقتصادي، وأي خلل في علاقته بالنظام المالي الدولي يمكن أن يؤثر في التحويلات التجارية، وتمويل الاستيراد، وثقة المؤسسات المالية الأجنبية، وقد تمتد آثاره إلى شركات وتجار يعملون بصورة مشروعة.
والموقف المسؤول لا يتمثل في تبنّي الاتهامات الخارجية دون فحص، ولا في رفضها لمجرد صدورها عن دولة أجنبية، والهدف المطلوب هو تحقيق مهني مستقل، وتعاون قانوني يحفظ حقوق العراق، ومراجعة الأدلة والإجراءات وفق القوانين العراقية والمعايير الدولية ذات الصلة.
كما ينبغي تعزيز استقلال الرقابة المصرفية، وتطوير أنظمة الامتثال، وضمان عدم استغلال المصارف في الصراعات السياسية أو تمويل الأنشطة غير المشروعة، مع حماية المؤسسات الملتزمة والمتعاملين الذين لا علاقة لهم بأي مخالفات.
إن قوة النظام المصرفي العراقي لا تُقاس بعدد المصارف العاملة فيه، بل بقدرته على حماية الأموال، وضمان الشفافية، وتسهيل التجارة المشروعة، والحفاظ على ثقة المواطنين والأسواق الدولية.
اقتصاد النفط.. ثروة لا تكفي لبناء دولة
يبقى النفط المصدر الرئيسي للإيرادات العامة والعملات الأجنبية في العراق، وهذه الثروة تمثل فرصة كبيرة إذا أُحسن توظيفها، لكنها تتحول إلى مصدر للمخاطر عندما يصبح الإنفاق الحكومي والاقتصاد بأكمله معتمدين بدرجة مفرطة على تقلبات أسعارها وكميات تصديرها.
وقد حذّر صندوق النقد الدولي في تقريره لعام 2025 من تحديات تتصل بارتفاع الإنفاق الجاري، والضغوط المالية، وضعف القطاع الخاص، والبطالة، واختلالات قطاع الكهرباء، وهي مشكلات تجعل تنويع الاقتصاد ضرورة استراتيجية لا خيارًا مؤجلًا.
ولا يعني التنويع التخلي عن النفط، بل استخدام عائداته لبناء قطاعات منتجة تخلق فرص العمل وتزيد الإيرادات غير النفطية، وتمنح الدولة قدرة أكبر على مواجهة الأزمات.
فالزراعة تحتاج إلى إدارة حديثة للمياه، وأنظمة ري أكثر كفاءة، ودعم للمزارعين، وربط الإنتاج بالصناعات الغذائية والتسويق. والصناعة تحتاج إلى كهرباء مستقرة، واستثمار في الغاز والطاقة، وتسهيل الإجراءات، وحماية المنافسة من الاحتكار والامتيازات غير العادلة.
أما السياحة الدينية والثقافية والآثارية، فيمكن أن تسهم في تنشيط المحافظات وتوفير فرص العمل، إذا اقترنت بخدمات مناسبة وبنية تحتية جيدة وحماية للمواقع التاريخية.
ويستطيع العراق أيضًا الاستفادة من موقعه الجغرافي بتطوير الموانئ والطرق والسكك الحديدية والمنافذ الحدودية، وتعزيز دوره في التجارة الإقليمية، شرط أن تستند المشروعات إلى دراسات جدوى واقعية، وأن تُدار بعقود شفافة، وأن تخضع للتقييم والمساءلة.
ويبقى القطاع الخاص، ولا سيما المشروعات الصغيرة والمتوسطة، عنصرًا أساسيًا في خلق الوظائف وتوسيع قاعدة الإنتاج، وهذا يتطلب تمويلًا مناسبًا، وإجراءات تأسيس أبسط، وبيئة قانونية مستقرة، ومنافسة عادلة لا تتحكم فيها المحسوبية أو النفوذ السياسي.
أما التعليم، فلا بد أن يرتبط بحاجات الاقتصاد الفعلية، وأن يفتح المجال أمام البحث العلمي والابتكار والتدريب المهني، حتى لا تبقى الشهادات الجامعية بعيدة عن فرص العمل المتاحة.
إن بناء اقتصاد متنوع لا يتحقق بإعلان المشروعات أو افتتاحها إعلاميًا، بل بتخطيط مستمر، وتمويل مسؤول، وتنفيذ فعلي، وقياس للنتائج، ومحاسبة عن التأخير والهدر.
المال العام وعدالة الاستحقاقات
من حق العراقيين أن يعرفوا كيف تُدار أموال الدولة، وعلى أي أسس تُحدد الرواتب والتقاعد والإعانات والمخصصات وسائر الاستحقاقات المالية.
فالشفافية في الإنفاق العام ليست مطلبًا إعلاميًا، بل شرط أساسي لتحقيق العدالة وتعزيز الثقة بالمؤسسات. وكلما كانت قواعد الاستحقاق واضحة ومعلنة، تراجعت فرص الاستغلال والمحسوبية، وأصبح من الأسهل كشف المخالفات وتصحيحها.
ويجب أن تخضع الاستحقاقات المالية للتدقيق الدوري، وفق معايير قانونية موحدة، مع معالجة التجاوزات التي تثبتها الأدلة، وضمان حق كل شخص في الاعتراض والدفاع عن نفسه.
وفي الوقت نفسه، ينبغي ألا يتحول التدقيق إلى أداة للاستهداف السياسي أو الاجتماعي، كما لا يجوز أن تُستخدم الحماية القانونية ذريعة لإدامة المخالفات.
المعيار الصحيح هو تطبيق القانون على الجميع، وإعلان النتائج بوضوح ومسؤولية، وصون حقوق المستحقين، واسترداد الأموال التي يثبت صرفها خلافًا للقانون وفق الإجراءات المعتمدة.
فالدولة العادلة لا تهدر المال العام، ولا تنتقص من الحقوق المشروعة، ولا تسمح بأن تتحول الامتيازات إلى وسيلة للتمييز بين المواطنين.
حقوق المواطن وسيادة القانون
لا تكتسب الدولة شرعيتها من مواردها الطبيعية أو من قوة مؤسساتها الأمنية وحدها، بل من قدرتها على حماية كرامة الإنسان وضمان المساواة أمام القانون وصون الحقوق والحريات الدستورية.
وقد تناول تقرير هيومن رايتس ووتش العالمي لعام 2026، الذي يستعرض أوضاع العراق خلال عام 2025، مخاوف تتعلق بحرية التعبير والتجمع، والإفلات من العقاب، والضمانات القضائية، وغيرها من الملفات الحقوقية.
ويكفل الدستور العراقي، في المادة 14، المساواة أمام القانون، ويتضمن في المادة 19 ضمانات قضائية، فيما تكفل المادة 38 حرية التعبير والصحافة والاجتماع والتظاهر السلمي ضمن الضوابط الدستورية.
لكن وجود النصوص الدستورية لا يكفي إذا لم تنعكس على الممارسة اليومية، وإذا لم يتمكن المواطن من المطالبة بحقوقه دون خوف من التهديد أو التمييز أو الانتقام.
والمطلوب مراجعة السياسات والإجراءات التي قد تمس الحقوق الدستورية، والتحقيق الجاد في الشكاوى، وتعزيز استقلال القضاء والهيئات الحقوقية، وضمان المساءلة عن الانتهاكات التي تثبتها التحقيقات.
كما ينبغي الالتزام بالدقة عند تناول أعداد المعتقلين أو المحكومين أو المتضررين، وعدم تداول أرقام لا تستند إلى مصادر موثوقة وحديثة، والخطاب الحقوقي المسؤول يقوم على الوقائع والأدلة، ويجمع بين حق المجتمع في المحاسبة وحق كل متهم في محاكمة عادلة.
ولا تعارض بين الاستقرار واحترام الحقوق؛ بل إن الاستقرار الحقيقي يتعزز عندما يثق المواطن بأن القانون يحميه، وأن المؤسسات تسمع صوته، وأن كرامته لا تتوقف على موقعه الاجتماعي أو انتمائه السياسي.
هجرة الكفاءات.. خسارة لا تعوضها المناصب
يمتلك العراق طاقات علمية ومهنية كبيرة في الطب والهندسة والتعليم والبحث العلمي والإدارة والتكنولوجيا، ولكن الاستفادة من هذه الطاقات تتطلب بيئة تقوم على الكفاءة والإنصاف، لا على الولاءات والعلاقات الشخصية.
فعندما تصبح المحسوبية عاملًا حاسمًا في التعيين والترقية، تتراجع فرص أصحاب الخبرة، وتضعف المؤسسات، ويزداد شعور الشباب بالإحباط، وقد يصبح البحث عن مستقبل مهني خارج البلاد خيارًا أكثر جاذبية.
ولا تكفي الدعوات إلى عودة الكفاءات العراقية في الخارج إذا لم تتوافر فرص عمل مناسبة، ومعايير واضحة للتعيين، واستقلال مهني، وبيئة بحثية مستقرة.
ومن هنا ينبغي إصلاح نظم التوظيف والترقية، ودعم الجامعات ومراكز البحث، وتوسيع التدريب المهني، وإشراك الخبراء في إعداد السياسات العامة وتقييمها.
كما يمكن الاستفادة من العراقيين في الخارج من خلال برامج للتعاون الأكاديمي، والاستشارات، ونقل التكنولوجيا، والاستثمار، والمشروعات البحثية المشتركة، بما يسمح ببناء شراكات مستدامة حتى لمن لا يستطيع العودة بصورة دائمة.
إن الدولة لا تُبنى بتوزيع المناصب، بل باختيار الشخص المناسب على أساس الكفاءة، ومنحه الأدوات اللازمة للعمل، ثم محاسبته على النتائج.
من التشخيص إلى برنامج عمل وطني
إذا أرادت الحكومة العراقية استعادة ثقة المواطنين، فإنها تحتاج إلى برنامج عملي محدد، لا إلى قائمة جديدة من الوعود.
ويبدأ هذا البرنامج بتعزيز استقلال القرار الأمني والسياسي، وإدارة العلاقات الخارجية وفق المصلحة الوطنية، وتطوير المؤسسات الدستورية، ومنع استخدام الأراضي العراقية في صراعات الآخرين.
ويشمل كذلك مكافحة الفساد من خلال الشفافية والرقابة المستقلة والقضاء الفاعل، ونشر العقود والمعلومات المتعلقة بالإنفاق العام، وتطوير الأنظمة الرقمية التي تقلل فرص الرشوة والمحسوبية.
وفي الاقتصاد، يتطلب الأمر تقييم آثار القرارات النقدية والمالية، وحماية الفئات محدودة الدخل، وتوسيع القطاعات المنتجة خارج النفط، وتحسين الكهرباء، ودعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وتهيئة بيئة جاذبة للاستثمار المشروع.
أما في مجال الحقوق، فينبغي تعزيز المساواة أمام القانون، وصون حرية التعبير والتجمع السلمي، وضمان المحاكمات العادلة، ومساءلة كل من تثبت مسؤوليته عن انتهاك الحقوق.
وفي الإدارة العامة، يجب اعتماد معايير الكفاءة والنزاهة في التعيينات والترقيات، وربط أداء الوزارات بأهداف قابلة للقياس، ونشر تقارير دورية توضح للمواطنين ما تحقق وما لم يتحقق وأسباب التعثر.
ولا بد أن يقترن كل ذلك بجدول زمني واضح، ومؤشرات أداء معلنة، وآليات متابعة مستقلة، ومراجعة دورية تسمح بتصحيح المسار بدل تكرار الأخطاء.
فالإصلاح لا يُقاس بما يُكتب في البرامج الحكومية، وإنما بما يتحول منها إلى نتائج ملموسة في حياة الناس.
العراق يستحق أكثر
إن العراق ليس بلدًا فقيرًا في موارده أو قدراته، لكنه يواجه تحديًا حقيقيًا في تحويل هذه الإمكانات إلى دولة مستقرة وعادلة وقادرة على حماية مصالحها.
ولا يجوز أن يظل مستقبل شعبه رهينًا لتقلبات أسعار النفط، أو لتوازنات الكتل السياسية، أو لتنافس القوى الإقليمية والدولية على النفوذ. فالثروة التي لا تتحول إلى خدمات وفرص وعدالة تفقد جزءًا كبيرًا من قيمتها الوطنية، والسيادة التي لا تحمي المواطن تبقى ناقصة، والقانون الذي لا يُطبق على الجميع يفقد ثقة الناس به.
إن استعادة الثقة تبدأ عندما يرى المواطن كهرباء مستقرة، وخدمات صحية وتعليمية أفضل، وفرص عمل عادلة، وأسعارًا تخضع للمنافسة والرقابة، وإدارة تحترم وقته وكرامته، وقضاءً لا يخضع لنفوذ سياسي أو مالي.
والمسؤولية عن بناء الدولة مسؤولية مشتركة بين الحكومة والبرلمان والقضاء والجهات الرقابية والقوى السياسية والمجتمع المدني، وتبقى المسؤولية الأكبر في بدء التغيير تقع على من يمتلك سلطة القرار وأدوات التنفيذ، ومن يستطيع تحويل التعهدات إلى سياسات قابلة للمحاسبة.
إن العراق بحاجة إلى مشروع وطني يجعل المواطن أساس السياسات العامة، ويضع المال العام تحت رقابة المجتمع والقانون، ويوازن علاقاته الخارجية دون تبعية، ويحول ثرواته إلى تنمية مستدامة، ويمنح الكفاءات والشباب فرصة حقيقية للمشاركة في بناء المستقبل.
ويبقى السؤال الذي لا يمكن تجاوزه.. إلى متى ينتظر العراقيون أن تتحول ثروات بلدهم إلى خدمات وعدالة وفرص متكافئة، وأن تصبح السيادة ضمانة لكرامة الإنسان وحقوقه، لا مجرد شعار يتكرر في البيانات والخطابات؟
إن الإجابة لن تأتي من الوعود وحدها، بل من قرارات شجاعة، ومؤسسات مستقلة، وقانون يُطبق على الجميع، وإرادة وطنية تضع مصلحة العراق فوق كل اعتبار.
فالعراق يستحق دولة تليق بتاريخه وثرواته وشعبه، دولة يكون فيها المواطن غاية الحكم، لا آخر أولوياته.
المصادر
1. مجلس النواب العراقي - بيان التصويت على نواب رئيس الوزراء وأحد عشر عضوًا في التشكيلة الوزارية، 15 تشرين الأول 2026.
2. صندوق النقد الدولي - تقرير مشاورات المادة الرابعة بشأن العراق لعام 2025، ويتناول الفساد والإنفاق العام والبطالة والقطاع المصرفي والكهرباء.
3. وكالة رويترز — تقرير سعر صرف الدينار العراقي الجديد في 7 تشرين الأول 2026.
4. وزارة الخزانة الأمريكية - بيان الإجراءات المتعلقة بشبكات التمويل الإيرانية والمصرف العراقي، 15 تشرين الأول 2026.
5. هيومن رايتس ووتش - التقرير العالمي لعام 2026، فصل العراق، عن أحداث عام 2025 والحقوق والحريات.